نظر علماء الأعصاب لزمن طويل إلى المادة الدماغية البيضاء على أنها بنية تحتية لا فاعلة؛ واليوم، اكتُشف أنها تساهم في التعلم وقد تكون ضالعة في أمراض عقلية متنوعة.
كيف نكشف عن أسس الذكاء العصبونية؟ كيف نعرف إن كان بعض خاصيات الدماغ مسؤولاً عن الفُصام 1 schizophrénie أو عن عسر القراءة 2 dyslexie؟. تتيح تقنية تصوير دماغي جديدة لعلماء الأعصاب (علماء الجهاز العصبي) neuroscientifiques رصد هذا النمط من المعطيات، وقد كشَفتْ عن الدور المستهان به حتى اليوم الذي تضطلع به المادة البيضاء 3 substance blanche في الذكاء وفي مختلف الأمراض العقلية. أن المادة السنجابية substance / matière grise هي موضع العمليات الذهنية وتخزين المعلومات. إنها الطبقة الخارجية من الدماغ أو القشرة (الدماغية أو المخية) cortex؛ تتألف من عدد كبير من الأجسام الخلوية العصبونية – نواحي العصبونات التي تُكامِل intègrent المعلومات. ولكن توجد تحتها ركيزة من المادة البيضاء التي تأخذ ما يقرب من نصف حجم الدماغ البشري – نسبة أعلى بكثير مما في دماغ حيوانات أخرى.
ما المادة البيضاء؟ إنها ملايين من كابلات الاتصال câbles de communication، يحوي كل منها خيطاً طويلاً وحيداً، أو مِحواراً axone، تغلّفه مادةٌ دهنية بيضاء تسمى نخاعين myéline. وعلى غرار خطوط هواتف مختلف المدن، تصل هذه الكابلات البيضاء عصبوناتِ ناحيةٍ من الدماغ بأخرى. بقي علماء الأعصاب، طوال عدة عقود، غير مهتمين كثيراً بالمادة البيضاء. كانوا يعتبرون النخاعينَ مجرد مادة عازلة والمحاويرَ سُبُلَ مرورٍ لا فاعلة. وكانت نظريات التعلم، والذاكرة والاضطرابات النفسية ترتكز إلى آليات جزيئية moléculaires مكانُها في الأجسام الخلوية للعصبونات وفي المشابك (العصبية) synapses – نقاط التماسّ بين العصبونات neurones.
لكن الانتقال الصحيح للمعلومة بين باحات الدماغ ضروري ليعمل الدماغ جيداً. ليس لدى الأشخاص الذين يتمتعون بخبرات " عقلية " مختلفة أو المصابين ببعض حالات الخلل الوظيفي الكمية نفسها من المادة البيضاء. تتغير هذه الكمية أيضاً على سبيل المثال خلال التعلم أو حين العزف على آلة موسيقية، مثل البيانو. ورغم أن عصبونات – أجسامها الخلوية – المادة السنجابية هي التي تعمل على مكاملة وتنفيذ النشاطات الذهنية والبدنية، فإن المادة البيضاء قد لا تقل أهمية للسيطرة على بعض القابليات العقلية والاجتماعية، وربما كانت تفسر أيضاً لماذا يصادف الأشخاص المسنون صعوبات في التعلم.
يغلّف النخاعينُ المحاويرَ
أثار النخاعين، الذي يسبغ لونَه على المادة البيضاء، الفضول لزمن طويل. لاحظ علماء الأعصاب، خلال أكثر من قرن، العصبونات بالمجهر وشاهدوا أليافاً طويلة، المحاوير، التي تصل ما بين الأجسام الخلوية. كل محوار محاط بهلام بلوري gel cristallin ثخين. افترض اختصاصيو التشريح أن هذا التغليف بالمادة الدهنية يتيح عزل المحاوير، مثلما يُعزل السلك الكهربائي. مع ذلك، هناك محاوير غير مغلفة بنخاعين، خصوصاً الأصغر بينها؛ بل تتخلل العزلَ ثقوبٌ، كل ميليمتر تقريباً، بطول الألياف المُمَيْلَنَة myélinisés (المغلفة بالنخاعين). هذه المواقع الخالية من النخاعين هي عُقَد " رانفييه "، من اسم اختصاصي التشريح الفرنسي " لوي – أنطوان رانفييه " Louis – Antoine Ranvier، الذي كان أول من وصفها.
ثم بينوا أن الدفعات الكهربائية العصبية – تتواصل العصبونات فيما بينها بإرسال إشارات كهربائية – ترتحل بطول المحاوير بسرعة أعلى 100 مرة تقريباً عندما تكون هذه الأخيرة مُمَيْلَنَةً؛ ويمكن أن يدور النخاعين 10 إلى 150 دورة حول المحوار. يتولد النخاعين على شكل أوراق بنمطين من الخلايا الدِبْقِيّة cellules gliales، خلايا الجهاز العصبي التي ليست عصبوناتٍ. تغلف خلية دبقية، على شكل أخطبوط، اسمُها " الدبقية قليلة التغصّن " oligodendrocyte، عصبوناتِ الدماغ. تقفز الإشارات الكهربائية، غير القادرة على عبور الغمد (النخاعيني)، بطول المحوار من عقدة إلى أخرى بسرعة. وفي الأعصاب المحيطية والنخاع الشوكي، هناك خلية دبقية لها شكل النقانق، تسمى " خلية شوان " Schwann، هي التي تنتج النخاعين.
بدون نخاعين، تحدث تسرّباتٌ كهربائية بطول المحوار وتتبدد الإشارة. وكي تكون سرعة النقل في حدها الأعظمي، يجب أن تكون ثخانة العازل متناسبة طرداً مع قطر المحوار. النسبة المثلى بين قطر المحوار وقطر الليف الكامل (بما في ذلك الغمد النخاعيني) هي 0,6. ونجهل كيف " تعرف " الخلايا الدبقيةُ قليلة التغصن إن كان يلزم 10 أو 100 طبقة من العازل لإيجاد الثخانة المناسبة على محاوير من أقطار مختلفة. ولكن مؤخراً، اكتشف عالم الأحياء " كلاوس أرمين نيف " Claus Armin Nave، من معهد " ماكس بلانك " للطب التجريبي في " غوتنغن "، ألمانيا، أن خلايا شوان تكتشف بروتيناً اسمه neuréguline يغلف المحاوير. إذا كانت كمية هذا البروتين تزيد أو تنقص، فإن خلية شوان تغلف المحوار بعدد أكبر أو أصغر من الطبقات النخاعينية. من جانب آخر، يتبين لدى عدد من الأشخاص المصابين باضطراب مزدوجِ القطبِ bipolaire – الاكتئاب الهوَسي maniaco – dépression، اضطرابٌ في المزاج – أو بالفُصام وجود طفْرات في الجين الذي يضبط إنتاج هذا البروتين.
يَحْدث تَمَيْلُن (تكوُّن النخاعين) myélinisation المحاوير ببطء خلال النمو. لا يوجد النخاعين إلا في بعض النواحي الدماغية عند الولادة، ثم يتقدم على شكل اندفاعات، ولا يتوضع في بعض النواحي بشكل كامل إلا في سن 25 إلى 30 سنة. يظهر مثل موجة أولاً خلف قشرة المخ وينتشر باتجاه الأمام كلما اقترب سن البلوغ. الفصان الجبهيان هما الناحيتان الأخيرتان اللتان تَتَمَيْلَنان. هاتان الناحيتان مسؤولتان عن قابليات الاستدلال 4 raisonnement والتخطيط والحكم – اللياقات التي لا يتم اكتسابها إلا مع الخبرة. ويعتقد عدد من علماء الأعصاب بأن كمية النخاعين القليلة الموجودة في الدماغ الجبهي قد تكون أحد الأسباب التي تفسر عدم امتلاك اليافعين قابليات اتخاذ القرار الموجودة عند الراشدين. إذاً، ربما كان النخاعين مهماً بالنسبة للذكاء.
يفترض أن التَمَيْلُن متدرج ويكتمل في عمر البلوغ لأنه تلزم إتاحة الوقت للمحاوير كي تنمو، وتتشعب، وتشذِّب استطالاتٍ استجابةً للخبرات المعاشة وللعوامل البيئية. وحالما تتمَيْلَن المحاوير، لا يمكنها تقريباً أن تتغير بعد ذلك. لقد بقي سؤالٌ معلق لزمن طويل: هل تكوُّن النخاعين مبرمج (جينياً) أم أن " البيئة " تحوِّر نوعيةَ الغمد النخاعيني وبالتالي كيفيةَ التعلم؟ بعبارة أخرى، هل النخاعين مسؤول عن قابليات الاستعراف capacités cognitives أم أن الاستعراف cognition محدود ببساطة في النواحي التي لم يتشكل فيها النخاعين بعد؟.
في عام 2005، استخدم عازف البيانو البارع " فردريك أولن " Fredrik Ullén، الأستاذ أيضاً في معهد الدماغ في استوكهولم في السويد، وزملاؤه، تقنية تصوير دماغي جديدة، اسمها التصوير بالرنين المغنطيسي (IRM) الانتشاري de diffusion، لدراسة أدمغة عازفي بيانو محترفين. يستخدم التصوير بالرنين المغنطيسي الانتشاري أجهزةَ التصوير بالرنين المغنطيسي التقليدية، ولكن مع مجال مغنطيسي مختلف وخوارزمية نوعية لإحداث المقاطع الدماغية المتعددة التي تُجمَع بعد ذلك لإعادة تكوين صورة ثلاثية الأبعاد. تُظهر المقاطعُ متجهاتِ vecteurs (المعرَّفة بعبارات رياضية كموتِّرات tenseurs) الماء التي تنتشر في النُسُج. علامة التصوير بالرنين المغناطيسي الانتشاري في المادة السنجابية ضعيفةٌ، حيث أن الماء ينتشر على نحو متناظر. ولكن، بطول حُزَم المحاوير، ينتشر الماء بشكل غير متناظر؛ ويميز هذا التشكُّل اللامنتظم المادة البيضاء. كلما كانت الألياف محاطة أكثر بالنخاعين وأكثر تكدساً تكون علامة التصوير بالرنين المغنطيسي الانتشاري أقوى. بالنتيجة، تتيح هذه التقنية معاينة وضعية، وتوجُّه وثخانة حُزم المادة البيضاء.
رحلة إلى قلب الدماغ
بيّن " ف. أولن " أن بعض مناطق المادة البيضاء، لدى عازفي البيانو المحترفين، أكثر نمواًً مما هي لدى غير الموسيقيين. تصل (تربط) هذه المناطقُ نواحيَ من قشرة المخ، جوهريةً لحركات الأصابع المنسقة، بباحات أخرى ضالعة في عمليات استعراف مختلفة تتنشّط بممارسة العزف على آلة موسيقية.
اكتشَف أيضاً أنه كلما كان الموسيقي قد عزف أكثر على آلته خلال حرفته تكون علامات التصوير بالرنين المغنطيسي الانتشاري أقوى؛ ربما تكون المحاوير أكثر تَمَيْلُناً أو مكدَّسة أكثر. يمكن بالتأكيد أيضاً أن يكون قطر المحاوير قد تنامى، مما يتطلب عندئذ مزيداً من النخاعين للحفاظ على نسبة 0,6 المثلى. دون تشريح جثة، تبقى المسألة مفتوحة. مع ذلك، تبيِّن هذه النتائج أن المادة البيضاء – التي لا تحوي أجساماً خلوية ولا مشابك synapses، فقط محاوير ودبق عصبي glie (أو neuroglie) – تكون لدنة عند اكتساب كفاءات جديدة.
إضافة إلى ذلك، تبيَّن أن التَمَيْلُن لدى الحيوان يمكن أن يتغير استجابةً لتمرين ذهني وللبيئة. ومؤخراً، أكد عالم الأحياء العصبية " وليم غرينف " William Greenough، من جامعة إيلينوا، في الولايات المتحدة، أنه يوجد نخاعين أكثر في الجسم الثفني corps calleux – حزمة سميكة من المحاوير تربط بين نصفي كرة المخ – لفئران رُبيت في بيئات " غنية " (مع أشياء متعددة وتآثرات اجتماعية).
هذه النتائج متوافقة مع الدراسات المنجزة بالتصوير بالرنين المغنطيسي الانتشاري التي أجراها عالم الأعصاب " فنسانت شمتهورست " Vincent Schmithorst، من مشفى الأطفال في سينسيناتي، الولايات المتحدة، الذي قارن المادة البيضاء لأطفال من سن 5 إلى 18 سنة. لقد تحقق من أنه كلما كانت مادة الأطفال البيضاء أكثر نمواً، كان حاصل ذكائهم أعلى. وبينت دراسات أخرى أن الجسم الثفني لدى أطفال محرومين من الدعم العاطفي هو أقل مادة بيضاء بنسبة 17 بالمائة.
بالنتيجة، قد تحوِّر الخبرةُ تكوّنَ النخاعين، الذي من شأنه، بدوره، أن يشجع التعلم والكفاءات. ولكن، كي يكونوا مقتنعين بهذا الاستنتاج، على علماء الأعصاب أن يحددوا كيف تحسِّن كميةٌ أكبر من النخاعين الاستعرافَ، وقد يلزمهم بعض الأمثلة التي تثبت أن التَمَيْلُن الضئيل يمكن أن يبلبل القابليات العقلية.
هل يجعل النخاعين المرء ذكياً؟
اكتشف فريقي أمثلةً كثيرة تبيِّن أن الخبرات الشخصية يمكن أن تحور تكوُّنَ النخاعين. ترسل العصبوناتُ في الدماغ دفعاتٍ كهربائية بطول المحاوير؛ يمكننا، مع عصبونات أجنة فئران في الزراعة، تحديد تشكُّل configuration هذه الدفعات. وهكذا، ينظّم بعضُ الدفعات جيناتٍ عصبونية. يتحكم أحد هذه الجينات بإنتاج بروتين، يسمى L1-CAM، الذي يتيح لطبقة النخاعين الأولى الالتصاق حول محوار.
بيّنا أيضاً أن الدبق العصبي " ينتبه " إلى الدفعات التي تنتشر في العصبونات ويغيّر درجةَ التَمَيْلُن؛ هناك نمط من الخلية الدبقية cellule gliale اسمه الخلية النجمية astrocyte تطلق جزيئاً عندما تكشف حدوثَ زيادةٍ في عدد الدفعات. ينبه هذا الراموز الكيميائي الخلايا الدبقية قليلة التغصّن التي تنتج نخاعيناً أكثر. من جانب آخر، يكشف الأطفال المصابون بداء " ألكسندر " maladie d`Alexander، وهو متلازمة مميتة تسبب تأخراً عقلياً وتولّد نخاعيناً غير سوي، عن وجود طفرة في جين خلايا نجمية لديهم.
فضلاً عن ذلك، يمنح النخاعين أفضل شروط عمليات تكامل الإشارات العصبونية. لنتصور أن كل معلومة تنتقل في الدماغ بالسرعة الممكنة. بالنتيجة، قد تكون العصبونات كلها مُمَيْلَنة بالطريقة نفسها. ولكن ليست السرعة بالنسبة للعصبونات مِيزةً بالضرورة. في الواقع، يمكن أن ترتحل المعلومة ولمسافات طويلة بين المراكز الدماغية. ينفذ كل مركز وظيفة خاصة ويرسل النتائج إلى نواحي أخرى من أجل المرحلة القادمة من معالجة المعلومة. وفيما يتعلق بحالات التعلم المعقدة، كالعزف على البيانو، تنجز المعلومة رحلات ذهاب – إياب بين كثير من النواحي؛ يجب أن تصل المعلومات المنتقلة على مسافات مختلفة، في الوقت ذاته، إلى موضع معين وفي لحظة ما. الآجال ضرورية لبلوغ مثل هذه الدقة. ذلك لأنه إذا كانت العصبونات كلها تنقل المعلومة بسرعة قصوى، فإن إشارات العصبونات البعيدة ستصل دائماً على نحو متأخر عن إشارات العصبونات المجاورة.
تستغرق الدفعة العصبية نحو 30 ميليثانية للانتقال من أحد نصفي كرة المخ إلى الآخر عبر محاوير الجسم الثفني المُمَيْلَنَة؛ ويلزمها 150 إلى 300 ميليثانية إذا سلكت سبيل العصبونات غير المُمَيْلَنَة. عند الولادة، لا يكون أي من محاوير الجسم الثفني مُمَيْلَنَاً، ويبقى 30 بالمائة منها هكذا في سن البلوغ. يتيح هذا الفرق في التَمَيْلُن تنسيق سرعات الانتقال.
تؤدي عقد " رانفييه " أيضاً دوراً هاماً. استنتج علماء الأعصاب، في هذه السنوات الأخيرة، مع استبعاد أن تكون أخطاء، أن العقد هي مرحِّلات relais تُنتج، وتنظّم وتنشر الإشارات الكهربائية بطول المحاوير. وبعد أن درسوا حاسة سمْع البومة، أوضحوا أن الخلايا الدبقية قليلة التغصن تدسّ عقداً أكثر مما هو ضروري من أجل انتقال سريع بطول المحوار، بهدف إبطاء انتشار الإشارات.
إن سرعة انتقال الدفعات هي خاصية هامة في عمل الدماغ. ترتكز الذاكرة والتعلم إلى واقعة أن بعض الدارات العصبونية مترابطة على نحو أوثق من سواها، في اللحظة المناسبة. ربما كان النخاعين يحوِّر قوةَ الاتصال connexion من خلال ضبطه سرعةَ التوصيل بحيث تصل هبّاتٌ bouffées من الدفعات الكهربائية القادمة من محاوير متعددة في وقت متزامن إلى العصبون نفسه. عندما يحدث هذا التقارب، تنضاف الإشارات الإفرادية، مما يزيد نشاط العصبون المستقبِل ويعزز الاتصالات بين العصبونات الضالعة. ما زالت هذه النظرية بحاجة إلى أعمال بحثية أخرى، غير أن النخاعين يتفاعل دون شك مع البيئة ويساهم في التعلم.
أمراض في النخاعين
ليس صعباً، من وجهة النظر هذه، أن نتصور كيف يمكن لانتقالٍ معيب أن يتمخض عن اضطرابات عقلية. بحث علماء الأعصاب، خلال عقود، في المادة السنجابية عن أسباب لحالات خلل عقلي؛ واليوم، لديهم حجج تشير إلى أن المادة البيضاء تؤدي دوراً رئيسياً.
ينتج عسر القراءة مثلاً – اضطراب نوعي ومستمر في تعيين الكلمات المكتوبة – عن تنسيق زمني رديء في انتقال المعلومة إلى الدارات circuits اللازمة للقراءة؛ بيّن التصوير الدماغي أنه توجد مادة بيضاء أقل في هذه الدارات، وهو ما قد يفسر الاضطراب. قد تعكس شذوذات anomalies المادة البيضاء ليس فقط عيوباً في التَمَيْلُن بل أيضاً حالات خلل وظيفي في العصبونات الضالعة في هذه الاتصالات النخاعينية.
عَمَه الموسيقى 5 amusie الخلْقي- أو الصمم النغمي surdité tonale الذي يجعل الفرد عاجزاً عن تعرُّف وفهم الأصوات الموسيقية – ناشئٌ إذاً عن شذوذات في المعالجة الدماغية في القشرة حيث تحلَّل الأصوات؛ بيّنت عالمة النفس " كريستي هايد " Kristi Hyde، من جامعة ماكجيل McGill في مونتريال، أن الأطفال المصابين بعمه الموسيقى الخلقي لديهم مقدار أقل من المادة البيضاء في حزمة نوعية من الدماغ الجبهي الأيمن.
إضافة إلى ذلك، بينت " لسلي جاكبسن " Leslie Jacobsen، من جامعة يال في الولايات المتحدة مؤخراً أن التعرض لدخان التبغ في نهاية النمو الجنيني أو في أثناء المراهقة – الفترتين اللتين يحدث التَمَيْلُن خلالهما – يحدث اضطراباً في تكوّن المادة البيضاء. وبنية الحزمة (الموضحة بالتصوير بالرنين المغنطيسي الانتشاري) مرتبطة بالأداء performance في الاختبارات السمعية. والآن، نعرف أن النيكوتين يحور مستقبلات الخلايا الدبقية قليلة التغصن الضالعة في نموها. إذاً، قد يكون للتعرض لعوامل بيئية خلال الفترات الحرجة بالنسبة للتَمَيْلُن نتائج تستمر مدى الحياة.
إضافة إلى ذلك، الفُصام اضطرابٌ في النمو ينطوي على توصيلية (اتصالية) connectivité غير سوية. يتجلى المرض بشكل عام خلال المراهقة، إلا أن الدماغ الجبهي يَتَمَيْلَن خلال هذه الفترة نفسها. عصبونات هذه الناحية موجودة منذ وقت طويل، غير أن النخاعين يتغير. فضلاً عن ذلك، بينت 20 دراسة تقريباً، منذ بضع سنوات، أن المادة البيضاء غير سوية – فيها مقدار أقل من الخلايا الدبقية قليلة التغصن – في كثير من النواحي الدماغية لدى المرضى الفصاميين. وعندما أصبحت رقاقات الـ " دنا " puces à AND – أدوات تشخيصية صغيرة تتحقق على نحو متزامن من آلاف الجينات – متاحةً، اكتشف الباحثون أن عدداً من الجينات المرتبطة بالفصام تساهم في تكوّن النخاعين. عثر أيضاً على شذوذات في المادة البيضاء عند أشخاص مصابين بفرط النشاط مع قصور الانتباه hyperactivité avec déficit de l`attention، واضطرابٍ ثنائي القطب، واضطرابات اللغة، والانطواء على الذات (التوحد) autisme، وانحطاطٍ استعرافي مرتبط بالسن وبمرض ألزايمر.
ولكن، أيهما يظهر أولاً، عيب التَمَيْلُن أم عيب إرسال الإشارات signalisation بين العصبونات؟. ليس النخاعين غير السوي سببَ الخلل العقلي بالضرورة؛ في آخر الأمر، تتعلق وظائف الاستعراف بالتبادلات العصبونية – بمستوى المشابك – في المادة السنجابية لقشرة الدماغ، حيث تعمل أغلبية العوامل المحرّكة (الموجِّهة) نفسانياً psychotropes. مع ذلك، المادة البيضاء هي التي تتحكم بالاتصال (التواصل) communication بين نواحي الدماغ.
في عام 2007، بيّن " كبرييل كورفاس " Gabriel Corfas، طبيب الأعصاب في مشفى أطفال بوسطن، أن الخَبْن 6 délétion التجريبي لجيناتٍ في الخلايا الدبقية قليلة التغصن – وليس في العصبونات – لدى الفأر يُحْدث تغيراتٍ سلوكية قريبة من تلك الملاحظة في الفُصام. وأحد هذه الجينات، المسمى neuréguline، غير سوي في خِزَع biopsies دماغِ فُصاميين.
بالنتيجة، النخاعين ونشاط العصبونات وثيقا الارتباط. يمكن أن يستجيب الدبق العصبي المُمَيْلِن (المكوِّن للنخاعين) لاختلافات قطْر المحاوير، ولكن يمكن أيضاً أن يحوِّر هذا القطر. يمكنه فضلاً عن ذلك أن يتحكم ببقاء (استمرار حياة) محوار ما. مثلاً، في التصلب اللويحي 7 sclérose en plaques، تموت المحاوير والخلايا العصبية بنتيجة فقدان النخاعين الناجم عن المرض. أياً كانت الآلية، كلما نما دماغنا، من الطفولة إلى عمر البلوغ، تزداد دقة الاتصالات بين نواحي دماغية. يمكن أن تحدد نوعية هذه الاتصالات السهولة التي نكتسب معها بعض الكفاءات في أعمار معينة.
في الواقع، بيّن " ف. أولن " أيضاً أن المادة البيضاء تكون أكثر نمواً في دماغ عازفي البيانو كلما كانوا قد بدؤوا باكراً بتعلم العزف على هذه الآلة. ويتوضّع ازدياد المادة البيضاء، لدى الأشخاص الذين تعلموا بعد المراهقة، في الدماغ الجبهي فقط – الناحية التي تكون بعدُ في طور التَمَيْلُن خلال هذه الفترة.
توحي هذه النتيجة بأن العزل الكامل للألياف العصبية يحدد جزئياً الأعمارَ القصوى التي يمكننا، دُونَها، أن نتعلم لياقة aptitude جديدة؛ بعبارة أخرى، ربما كانت توجد فترات حرجة يكون بعض عمليات التعلم خلالها ممكناً أو على الأقل يتم بيُسْر. إذا تعلمتم لغة أجنبية، بعد البلوغ، تجدونكم محكومين بتكلمها مع لُكنة (لهجة) accent؛ إذا تعلمتم هذه اللغة وأنتم أطفال، ستتكلمونها مثل شخص مولود في البلد الذي يتكلمها. الفرق في ذلك أن الدارات الدماغية التي تكشف عن وجود اللغة المتكلمة تترابط وفقاً للأصوات التي نسمعها عندما نكون أطفالاً. نفقد، ونحن نكبر، الوصلات التي كان يمكن أن تتيح سمْع أصوات تخصّ لغاتٍ أجنبية. ومن وجهة نظر تطورية، لا يحتاج الدماغ لأن يحتفظ بوصلات من أجل كشف وجود أصوات لم يسمعها من قبل قط. هذه الفترات الحرجة هي أيضاً أحد الأسباب التي تجعل البالغين لا يتماثلون للشفاء من الأذيات الدماغية بقدر الأطفال.
تصبح موسيقياً بارعاً في سن الستين؟
تم التعرف في النخاعين على بروتينات نوعية تُوقِف تفرُّعَ المحاوير وتمنعها من تشكيل وصلات (توصيلات) connexions جديدة. اكتشف " مارتن شواب " Martin Schwab، عالم أعصاب من جامعة زيوريخ في ألمانيا، أولَ بروتينات النخاعين التي تُضْمِر (تضعِف) الفروعَ الفتيّة على المحاوير عند التماسّ بين هذه الأخيرة والبروتين. عندما لا يعود هذا البروتين، المسمى Nogo-A، وظيفياً، يمكن للوصلات المتأذية أن تتصلح عند حيوانات تعرضت لآفة lésion في النخاع الشوكي: تستعيد إحساساتٍ ويمكن أن تتحرك من جديد. ومؤخراً، بيّن " ستفن سترايتمَتر " Stephen Strittmatter، من جامعة يال، إنه يمكن " إعادة فتح / سَرَيان " الفترة الحرجة من أجل " إعادة توصيل / تسليك " recâblage الدماغ لدى الحيوانات من خلال كبح الإشارات الآتية من الـ Nogo-A: عندما يتوقف نشاط هذا البروتين لدى الفئران المسنّة، يمكن أن تتكون من جديد توصيلات للرؤية.
يكون التَمَيْلن منتهياً إلى حد كبير عند شخص من عمر عشرين سنة؛ هل يتناقض ذلك مع التأكيدات الحديثة التي تفيد بأن الدماغ يبقى مرناً (لدناً) في سن البلوغ وخلال الشيخوخة؟ مثلاً، تبيَّن أن التمرين الذهني عند من تجاوزوا سن 60 سنة يتيح تأخير ظهور مرض ألزايمر. وتعقُّل (رجاحة عقل) الشخص، ألا يزداد مع التقدم في السن؟ ما زلنا نتساءل لماذا....
لم يبيّن علماء الأعصاب حتى الآن اختلافات التَمَيْلُن عند الحيوانات المسنّة. لكن بعض التجارب توحي بأن التَمَيْلُن يستمر حتى منتصف سن الخمسين، ولكن بمستوى أدق.
المادة البيضاء عنصر مفتاحي clé لعمليات التعلم التي تقتضي ممارسةً مديدة وتكرارية، وكثيراً من التكامل بين نواحي القشرة الدماغية البعيدة بعضُها عن البعض الآخر. يكتسب الأطفال، الذين ما يزال دماغهم في طور التَمَيْلُن، لياقات جديدة على نحو أسهل من أجدادهم. يتوجب على الفرد، لقاء مجموعة حقيقية من الكفاءات الذهنية والرياضية، أن يبدأ منذ وقت مبكر جداً إن أراد أن يبلغ مستوى عالمياً. نبني الدماغ، الذي لدينا اليوم، بالتآثر مع البيئة خلال النمو، عندما تكون التوصيلات العصبية في وضع التَمَيْلُن. يمكن تكييف عدد من القابليات بطرق مختلفة، ولكن لن نصبح عازفي بيانو، ولاعبي شطرنج أو كرة مضرب محترفين إذا لم نبدأ التدريب ونحن أطفال.
ما يزال بالطبع في وسع البالغ أن يتعلم، غير أنه يستخدم نمطَ تعلمٍ مختلفاً تؤدي فيه مشابك المادة السنجابية دوراً مباشراً فيه. وبما أن التدرب المكثف يثير نشاطاً قوياً في العصبونات، فربما كانت هذه التفريغات décharges تحضّ على التَمَيْلُن.. حين نفهم مستقبلاً بشكل فعلي متى تتكون المادة البيضاء ولماذا، هل ستُخترع علاجات لتحويرها، بما في ذلك حين تشيخ؟ لتحويل هذا السؤال إلى واقع، يجب أن نعثر على الإشارة التي توعز إلى خلية دبقية قليلة التغصن بأن تُمَيْلِنَ محواراً بعينه وليس ذاك المجاورَ له.
الصور
( 1) الصورة 1
تصور هذه المنحوتة مشهداً سفلياً للقشرة الدماغية (بمعدن النحاس) ومركز الدماغ الذي يتكون من المادة البيضاء. تدوّر الفنانةُ " مارجيا ماكدونالد " Margie McDonald مواد صناعيةً لتشكيل تركيباتها.
( 2) الصورة 2
المادة البيضاء
( في الأعلى )
تشغل المادة البيضاء نصف الدماغ تقريباً. تتشكل من ملايين الكابلات (باللون الأبيض) التي تصل بين عصبونات (باللون الرمادي) نواحي الدماغ المختلفة، مثلما تربط خطوط الهاتف بين المدن.
( في الوسط )
يمتد الجسم الثفني، وهو كومة من الكابلات من المادة البيضاء التي تصل بين نصفي كرة المخ، من كل جانب نحو الأعلى والخارج باتجاه القشرة، مكوِّناً بنيةً تسمى الحِزام cingulum. تتيح تقنية تصوير جديدة، التصوير بالرنين المغنطيسي الانتشاري IRM de diffusion، وضع خريطة لمسار الكابلات.
( في الأسفل )
يربط كل كابل عصبوناً في ناحية بعصبون في باحة أخرى. الكابل هو محوار معزول بمادة دهنية بيضاء، النخاعين.
( 3) الصورة 3
يتيح جهاز تصوير بالرنين المغنطيسي (IRM) تقليدي إظهار المادة البيضاء (النواحي البيضاء في الأسفل إلى اليسار) بشكل تقريبي. مع ذلك، تتيح تقنية تصوير بالرنين المغنطيسي جديدة، تسمى التصوير بالرنين المغنطيسي الانتشاري، كشف تفاصيل أكثر من البنية (في الأسفل إلى اليمين )؛ يبين اللونان الأحمر والأصفر مادة بيضاء أكثر تنظيماً.
( 4) الصورة 4
تكوّن النخاعين
تنقل المحاوير الطويلة المعزولة بالنخاعين الإشارات الكهربائية بين العصبونات بشكل أسرع من المحاوير غير المميلَنة (غير المعزولة بالنخاعين). تستحْدث الخلايا الدبقيةُ قليلة التغصن الغشاءَ الشحمي membrane lipidique الذي يحيط المحوار بـ 10 إلى 150 طبقة. يمكن لعوامل مختلفة أن تستحث آلية التميلُن (تكوُّن النخاعين) ؛ غالباً ما " تنتبه " الخلايا النجمية إلى الإشارات التي تنتشر في المحاوير وتنقل رسائل كيميائية إلى الخلايا الدبقية قليلة التغصن. في الفحص المجهري (هنا في الأسفل)، محاوير (باللون الأحمر) تتميلَن (باللون الأخضر).
تنقل عقدةُ " رانفييه " الدفعات الكهربائية سريعاً بطول المحوار. تتعزز الدفعة وتنتقل من عقدة إلى عقدة على شكل إزالات استقطاب dépolarisations – فروق كمونات كهربائية من جهتي غشاء المحوار؛ تتولد هذه الأخيرة من مدخل ثخين لإيونات الصوديوم ions de sodium عبر القنوات الإيونية المتوضعة في العقدة. تنفتح عندئذ قنوات البوتاسيوم، الموجودة في جوار جَنِيْب العُقَد juxtaparanoeud (باللون الأزرق)، وتحرك الدفعةَ بطول المحوار نحو العقدة التالية.
( 5) الصورة 5
لدى عازفي البيانو المحترفين مادة بيضاء أكثر نمواً في بعض نواحي الدماغ بالمقارنة مع غير الموسيقيين، مما يوحي بأن المادة البيضاء تشجع التعلم. فضلاً عن ذلك، هذه المادة أغزر لدى عازفي البيانو الذين يبتدئون الممارسة المنتظمة قبل سن 11 سنة منها لدى من يبتدئونها خلال المراهقة أو في وقت لاحق؛ ربما كانت هناك فترات حرجة لاكتساب كفاءات جديدة.
( 6) الصورة 6
يتكون النخاعين من الولادة حتى سن 30 سنة
يكون عدد قليل من المحاوير محاطاً بالنخاعين عند الولادة. ومع مرور الوقت، يغدو عدد متزايد من العصبونات معزولاً بالنخاعين. ينتشر التميلُن من خلف القشرة الدماغية نحو الأمام. تبيِّن متتاليةُ الصور هنا، التي أنجزها " بول تومبسون " Paul Thompson، من جامعة كاليفورنيا، اختفاء عصبونات (تضاؤل في كمية المادة السنجابية) وازدياداً نسبياً في كمية النخاعين. تكتمل بعضُ النواحي، التي تؤمن وظائف أساسية، كالرؤية (في الخلف)، قبل سن أربع سنوات. وتكتمل نواح أخرى فيما بعد (بين 16 و30 سنة)، كنواحي اللغة، ثم التحكم بالذات (في المقدمة).
1 - اضطراب عقلي يمس النواحي العقلية ويشمل الشخصية كلها يفضي إلى تناقص صلة المصاب به بالواقع بهذا القدر أو ذاك وقد ينكفئ ليعيش في عالمه الخاص به. " المترجم "
2 - عسر القراءة اضطراب نوعي ومستمر يؤذي تعيين الكلمات المكتوبة (عجز المصاب عن فهم ما يقرأ). هنالك حالات عسر قراءة مكتسب يسمى " اللاقرائية " (تنجم عن أذيات معروفة في الجهاز العصبي)، وحالات عسر قراءة متعلقة بالنمو développemental. " المترجم "
3 - قسم من الجهاز العصبي المركزي قوامه عصبونات ومحاوير عصبية مغمدة بالنخاعين myéline توجد في المناطق الخارجية من النخاع الشوكي وفي مناطق الدماغ تحت القشرية. " المترجم "
4 - الاستدلال هو عملية استنتاج inférence بمعنى وصول الذهن إلى معرفة المجهول اعتماداً على المعلوم، وفقاً لقواعد المنطق logique. " المترجم "
5 - عجز عن التعبير بالأصوات الموسيقية أو فهمها. " المترجم "
6 - الخبن في علم الوراثة هو ضياع قسم من المادة الوراثية من أحد الصبغيات. " المترجم "
7 - أحد أكثر الأمراض العصبية المزمنة شيوعاً يتميز باضطرابات بؤرية في الجهاز العصبي المركزي بشكل سورات تشتد وتتراجع على مدى 20 – 30 عاماً وتعكس توضّع بؤر زوال النخاعين. " المترجم "
المصدر : الباحثون 35 - أيار 2010