كان المصحف الشريف أول كتاب ظهر باللغة العربية، لكن حركة التأليف والترجمة والتدوين الفعلية بدأت في العصر الأموي، ثم تطورت وازدهرت في العصر العباسي، فبعد مرور قرن على هذا العصر، كان معظم العلوم العقلية والنقلية قد دون ونظم.
اقترن ازدهار الحركة الفكرية في العصر العباسي بإقبال الناس على القراءة، وحضورهم مجالس الإملاء، التي انتشرت ونمت وكان من ثمارها نشوء طبقة المستملين، وظهور كتب كثيرة باسم "الأمالي" بلغ من كثرتها أن أفرد لها حاجي خليفة فصلاً خاصاً بها في كتابه "كشف الظنون".
وظل الإملاء الطريقة الشائعة في التأليف طيلة القرنين الثالث والرابع الهجريين، واللذين اتسعت فيهما دائرة التأليف والترجمة والتدوين اتساعاً كبيراً، خصوصاً بعد أن قامت صناعة الورق في بغداد، منذ عهد الرشيد، وظهرت طبقة الوراقين أو النساخين، تمارس مهنة الوراقة.
بنتيجة ذلك كله انتشرت المكتبات في أنحاء العالم الإسلامي، وكان من أشهرها "بيت الحكمة" التي أنشأها الرشيد في بغداد، ونمت زمن المأمون، و"دار الحكمة" التي أقامها الحاكم بأمر الله الفاطمي في القاهرة.. كما انتشرت المكتبات الخاصة ومكتبات المساجد.
مجالس الإملاء والأمالي
يعرف حاجي خليفة الإملاء، "بأن يقعد عالم وحوله تلامذته بالمحابر والقراطيس، فيتكلم العالم بما فتح الله عليه من العلم، ويكتبه التلامذة، فيصير كتاباً".
ويذكر من أشهر هذه المصنفات: أمالي ابن دريد وثعلب والزجاج والأنباري والقالي وأمالي أبي العلاء المعري في مئة كراسة ولم يتمها(1).
كما اشتهرت أمالي بديع الزمان الهمذاني، وأمالي المغني المعروف جحظة، التي ضاعت لكننا نعرف مما رواه صاحب "الأغاني" عنها، بأنها كانت تحتوي وصف جحظة لكل ما مر به وشهده من مجالس الغناء والطرب وفكاهات المنادمة، وروايته لأشهى أخبار الملح والطرائف في العصر العباسي.
اقتصر الإملاء في أول أمره، على علوم الحديث ثم اتسع مجاله فأصبح يتناول أصناف العلوم الدينية واللسانية، والآداب بأنواعها.
ولم يكن الإملاء في بدايته يتجاوز منزل المحدث، ولكن مع ازدياد رغبة الناس في الاستماع والكتابة، ضاقت منازل المملين عن استيعاب الأعداد الغفيرة منهم، فانتقلت جموعهم خارج الدور والأفنية، وانتشرت في ما جاورها من الأزقة والأحياء، ويروى أن ابن الجعابي حين يجلس للإملاء، كانت تمتلئ السكة التي يملي فيها والطريق (2)، ويروى أيضاً أن جعفر القريابي "ت 301 هـ-913م" حين قدم إلى بغداد، استقبل بحفاوة بالغة، وحضر مجلسه نحو ثلاثين ألفاً (3)، وربما بلغ عدد الحضور نيفاً ومئة ألف.
ولكي يصل كلام المحدث إلى هذا الحشد العظيم، كان لابد من منادين يقال لهم "المستملون"، يتلقفون كلماته وينقلونها إلى الملأ كالصدى، وكان عددهم يزيد بحسب ازدياد المستعمين وانتشار الحلقات وبعد المسافات، فقد كان للقاضي المحاملي أربعة مستملين، منهم يوسف بن عمر القواس(4)، وكان لأبي مسلم الكجي سبعة مستملين، وبلغ الكتبة في مجلسه نيفاً وأربعين ألفاً عدا النظارة (5)، وحضر مجلس أبي الحسن عاصم بن علي الواسطي أكثر من مئة ألف (6)، وذكر أن الفرّاء حين قعد للإملاء، ازدحم الناس على مجالسه، وغصت بالقضاة والعلماء، وكان ممن اجتمع لإملاء كتابه "المعاني" ثمانون قاضياً، وروي أن الخليفة نفسه ربما حضر مجالس الإملاء، من وراء ستار.
كان العلماء العميان أحوج المؤلفين للإملاء، وكان الإملاء أحياناً يستوعب عدة مجالس في عدة سنين، وكثير منه من حافظة المؤلف، فقد أملى أبو بكر بن الأنباري معظم مصنفاته، ومنها "غريب الحديث" الذي قيل إنه في خمس وأربعين ألف ورقة من حفظه (7)، وكتاب "المشكل في معاني القرآن" الذي أملاه سنين كثيرة ولم يتمه (8).
وأملى أبو السعادات بن الشجري أكبر تصانيفه وأمتعها وهو كتاب "الأمالي" في أربعة وثمانين مجلساً (9)، أما كتاب "الجمهرة" فقد أملاه ابن دريد من حفظه بفارس وأملاه ببغداد فزاد ونقص (10).
وقد انتشرت مجالس الإملاء في الحواضر الإسلامية، وذكر ابن الشام بسام الشنتريني في كتابه: "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة"، أن لهذه المجالس الشرقية مثيل في الأندلس، منها مجلس الفقيه أبي مروان عبد الملك الطيبي، ومجلس أبي علي القالي.
الورّاقة والورّاقون
لم يسلم لنا من آثار العصر الأموي وذخائره، حيث كانت بدايات حركة التأليف والتدوين والترجمة- إلا القليل، وبذلك غابت عنا الأوصاف الواضحة لثقافة ذلك العصر، ومنها أخبار الوراقة والوراقين، وكل ما عرفناه أن العصر في أول عهده غلب عليه تقليد الأوضاع والسنن الرومية، ومعظم ما وصل إلينا رصيد كبير من الشعر، تمثلت فيه أهم الأخبار والحوادث الأدبية والسياسية والاجتماعية، وكان وراقو الشعراء هم الرواة الذين تخصصوا بحفظ قصائدهم وصحبوهم لإنشادها أحياناً بدلاً منهم في المجالس والمحافل، فكانوا كالنساخ والنقلة لشعرهم.
أما في العصر العباسي، فقد كثر العلماء والمصنفون والشعراء، وازدهرت حركة التأليف والترجمة وساعد على هذا الازدهار سهولة الحصول على الصحف، بعد أن انتقلت صناعة الورق من سمر قند إلى بغداد زمن الرشيد وما رافقها من تدني أثمان القراطيس من البردي، وما نجم عنها من نشوء "صناعة الوراقة" واتساعها، بما توفر لها من المواد والمؤن.
والوراقة- كما يعرفها ابن خلدون- هي: "عملية الانتساخ والتصحيح والتجليد وسائر الأمور الكتبية والدواوين" (11)، والوراقون هم: "الذين يعانون من انتساخ الكتب وتجليدها وتصحيحها"، وفي كتاب "الأنساب" للسمعاني، الوراق هو "من يكتب المصاحف وكتب الحديث وغيرها، وقد يقال لمن يبيع الورق، وهو الكاغد ببغداد الوراق أيضاً".
مع انتشار مجالس الإملاء ونمو حرفة الوراقة، وإقبال الناس على العلوم، جلس العلماء والمؤلفون يملون على الوراقين مصنفاتهم، أو يكتبونها بأنفسهم، فعم النقل والنسخ، وكثرت دكاكين الوراقين، إلى درجة أن في بغداد وحدها، وجدت في القرن الثالث الهجري سوق كبيرة للوراقين، كان بها أكثر من مئة حانوت للوراقة، كان أصحابها ينسخون الكتب ويصححونها ويجلدونها ويبيعونها للناس، فتنتشر في كافة الأقطار وذكر اليعقوبي ت278هـ أنه كان في عصره أكثر من مئة وراق في بغداد، بينهم علماء مجيدون . ولم تكن هذه الحوانيت مجرد أمكنة للنسخ والتجليد بل كانت ملاذاً لطلاب العلم يطالعون فيها الكتب، ومجالس للشعراء وللعلماء، وملتقى للطبقات المثقفة (12)، ونستطيع أن نقول: إنها كانت مركزاً للنشاط العقلي، ومستودعاً لما أنتجته الثقافة الإسلامية في مختلف صنوف المعرفة، ومصدراً من مصادر انتشارها.
ورغم الدور المهم الذي لعبته الوراقة في الثقافة الإسلامية، فإننا لا نجد بين أيدينا اليوم تلك الكتب والرسائل التي اختصت بالكلام عليها، لتصف لنا بالتفصيل ما كان يدور في حوانيتها من المناظرات والمحاضرات، وتنقل إلينا ما كان يتبادله روادها من أطايب الأحاديث وطرائف الأقوال والأفكار، ويعد كتاب "تنويق النطاقة في علم الوراقة" الذي وضعه الشيخ عبد الرحمن بن أحمد بن مسك السخاوي "ت1025 هـ- 1616م" من هذه الكتب، ولكن من المؤسف أنه لم يبق لنا منه سوى عنوانه، وقد أشار ابن النديم إلى رسالة في مدح الوراقة لأبي زيد البلخي (13)، وثمة كتاب كتبه البلخي إلى أبي بكر بن المستنير عاتباً ومنصفاً في ذمه المعلمين والوراقين (14)، وللجاحظ رسالة في مدح الوراق، ورسالة أخرى في ذم الوراقين (15)، تنبئان عن أسلوبه في وصف الأضداد والانتقال بين المدح والذم، وبضياع هذه الكتب والرسائل تجدنا نلتقط أخبار الوراقة والوراقين من النثرات التي توزعت في كتب التراث، علّنا نحصل منها على بعض ما كان يمكن أن نجنيه من فوائد، لو أتيح لهذه الكتب والرسائل أن تصل إلينا.
ونمضي مع كتب التراث نستقرئ مما تناثر في أوراقها بعض الأخبار والأفكار والمعلومات عن الوراقة وأصحابها، وعن اهتمام الخلفاء بها.
روى ابن الأنباري: "أن المأمون أمر الفرّاء أن يؤلف ما يجمع به أصول النحو، وما سمع من العرب، فأمر أن تفرد له حجرة من حجر الدار، ووكل بها جواري وخدماً للقيام بما يحتاج إليه، وصير له الوراقين، وألزمه الأمناء والمنفقين، فكان الوراقون يكتبون حتى صنف الحدود، وأمر المأمون بكتبه في الخزائن، فبعد أن فرغ من ذلك خرج إلى الناس"(16).
قام علان الشعوبي بنسخ الكتب في هذه المكتبة، وقام يوحنا بن ما سويه وابن نوبخت بترجمتها، وكان فيها رئيس للمترجمين ومساعدون، كما كان لها مدير وأعوان، وكما كان فيها مجلدون، وذكر من هؤلاء المجلدين ابن أبي الحريش(17).
في "تاريخ بغداد" إشارات إلى صناعة التوريق، يدرك منها طريقة ممارستها والارتزاق بها (18) وفيه ما يدل على رغبة القوم في الأصول الصحيحة، وما عليها من السماعات (19).
فأول ما بدأت الوراقة ببيع الأوراق والأقلام وأنواع الحبر والمداد، وخصوصاً بنسخ المصاحف، ثم تناولت كتب الحديث وسائر العلوم الدينية والأدبية.
وأقدم الوراقين فيما يظهر مالك بن دينار (ت131هـ- 748م) مولى أسامة بن لؤي بن غالب، وقد كان يكتب المصاحف بأجرة (20).
وقد تفنن بعضهم في تجليد الكتب وزخرفتها والعناية بخطها، وأحياناً تحليتها بالذهب.
وتنافس رواة الكتب فيما كتبه كبار الخطاطين كابن مقلة وابن البواب.
ومن ذلك الحين ظهرت وقفيات على المكتبات، وعلى من يغشاها من فقراء القراء، كما فعل العزيز بالله الفاطمي، إذ أجرى ألف دينار كل شهر على جماعة من أهل العلم والوراقين والمجلدين، وكانت المكتبات عموماً تزود بالحبر والورق، يتبرع بهما بعض الأغنياء حسبة لوجه الله، ويذكر ابن خلكان: أنه في إحدى مدارس نيسابور خمسمئة دواة مبذولة لمن يريد أن يكتب.
ولقد رأينا صناعة الوراقة تنتشر في الأمصار الإسلامية شرقاً وغرباً، وذكر أن القاضي أبا مطرف الأندلسي، الذي جمع من الكتب ما لم يجمعه أحد من أهل عصره في الأندلس، كان له ستة وراقين ينسخون له دائماً (21).
ولم تكن المكتبات وحدها متاحة للقراء والكتاب وطلاب العلم، فإن دكاكين الوراقين كانت هي الأخرى تفتح أبوابها لهم.
"حدث أبو هفان قال: لم أر قط ولا سمعت من أحب الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته كائناً ما كان حتى أنه كان يكتري دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر"(22).
وهكذا كان كل راغب في نفائس الكتب ونوادر الأخبار يقصد سوق الوراقين، ولذلك رأينا محمد النوبختي يتهم أبا الفرج الأصفهاني صاحب "الأغاني" بأنه أكذب الناس، إذ "كان يدخل سوق الوراقين وهي عامرة، والدكاكين مملوءة بالكتب فيشتري كثيراً من الصحف ويحملها إلى بيته، ثم تكون كل رواياته منها"(23).
وكان المتنبي يكثر زيارة سوق الوراقين، لمطالعة أحاسن ما فيها من المؤلفات، وفي "تاريخ بغداد" رواية طريفة عن ذكاء المتنبي وشدة حفظه، رواها وراق كان يجلس إليه، قال: "ما رأيت أحفظ من هذا الفتى ابن عبدان "المتنبي"، كان اليوم عندي، وقد أحضر رجل كتاباً من كتب الأصمعي، يكون نحو ثلاثين ورقة ليبيعه، فأخذ ينظر فيه طويلاً، فقال الرجل، يا هذا، أريد بيعه وقد قطعتني عن ذلك، فإن كنت تريد حفظه من هذه المدة فبعيد، فقال: إن كنت حفظته فما لي عليك؟ قال: أهب لك الكتاب.
قال الوراق: فأخذت الدفتر من يده، فأقبل يتلوه إلى آخره، ثم استلبه فجعله في كمه، وقام فعلق به صاحبه وطالبه بالثمن، فقال: ما إلى ذلك سبيل، قد وهبته لي، فمنعناه منه وقلنا له: أنت شرطت على نفسك هذا للغلام، فتركه عليه"(24).
إن الفوائد التي تجتنى من ارتياد سوق الوراقة، دفعت المهلب أن يقول لبنيه: يا بني لا يقعدنّ أحد منكم في السوق، فإن كنتم لابد فاعلين، فإلى زرّاد أوسرّاج أو ورّاق(25).
كان نجاح الوراق في حرفته مرتبطاً بجودة خطه، وتمكنه من الضبط في النقل والحذق والتزويق والتذهيب في كتابة المصاحف، وقد اشتهر كثير من الوراقين بهذه الأوصاف وخصوصاً وراقو وخطاطو بغداد الذين كانت لهم مكانتهم المتميزة (26).
وكان لهؤلاء أقلام تختلف باختلاف المطلوب منهم، غير أنهم اختصوا بنوع من الخط كان يعرف بالورّاقي والمحقق والعراقي، ويغلب على الظن أنه كان بالقلم الجليل لاتساع رقعته وجلاء صفحاته وزيادة ما تقتضيه من الصحف، لأن في زيادة عدد الصحف زيادة لأجورهم.
وعلى عكس ذلك، فإن للمحدثين قلم مختزل رقيق الحواف متراص، تسهل معه مقاربة ما بين السطور، مما يقتصد في الورق والرق- لغلائهما- لذلك كان يسمى بالمقرمط.
وكانت أجرة النسخ تختلف باختلاف الأقلام وحسنها وصحة النقل والضبط، وبحسب سرعة النسخ أو بطئه، وربما اضطر الوراقون- استعجالاً للنسخ- إلى المبيت في منازل المؤلفين وقد تزيد أجورهم أو تنقص بنسبة تغير قيم النقود وصرف الدنانير بالدراهم.
الارتزاق بالوراقة
كان النسخ في أيامه القديمة يقوم مقام الطباعة اليوم ، وكانت أسواق الوراقين في عهد العباسيين تشبه دور النشر وأسواق الكتب في الزمن الحديث، بما فيها من تجارة ومنافسة ومن طمع واحتكار، وربما أفاد قوم بالتوريق ثروة طائلة، وربما أوصلت بعضهم إلى الفقر.
وقد أورد الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" فصلاً ممتعاً- رواه ابن خلكان- يطلعنا على مكان يجري بين المؤلفين والوراقين ، وكيف كان الوراقون يختزنون المؤلفات أحياناً، ويحتكرونها طمعاً بالربح، كما فعلوا بكتاب "المعاني" للفراء(27).
وقد امتهن صناعة الوراقة كل محروم طالب للقوت من النساخ، كما لجأ إليها كل مبذر مقامر، نظير أبي نصر محمد بن سليمان بن قطرمش بن تركمان شاه الأديب النحوي اللغوي- البغدادي المولد السمرقندي الأصل- فقد "خلف له والده أموالاً كثيرة، فضيعها في القمار واللعب بالنرد، حتى احتاج إلى الوراقة، فكان يورق بخطه المليح الصحيح" (28).
وممن دفعته الحاجة إلى الارتزاق من الوراقة السرّي الرفّاء الشاعر المشهور، فقد "عَدِم القوت فضلاً من غيره، فجلس يورق شعره، ويبيعه، ثم نسخ لغيره بالأجرة، وركبه الدين ومات ببغداد على تلك الحال، بعيد سنة 360هـ"(29).
ومن النساخ المعدمين شيخ الإسكندرية تاج الدين علي بن أحمد بن عبد المحسن الحسيني الغراف، كان يرتزق بالوراقة، فإذا حصل قوته لا يتجاوزه (30)، وكمال الدين أبو علي الحسن القرشي الكوفي المعروف بالقمحدودة، كتب الكثير لنفسه، ونسخ توريقاً للناس (قتل سنة 689هـ-1290م).
ومنهم محمد بن علي أبو الغنائم النوسي المعروف بأبي الكوفي، كان يورق للناس بالأجرة (ت510هـ- 1116م).
ورغم الربح والانتفاع اللذين غلبا على بعض الوراقين في الشرق والغرب الإسلاميين فقد غلبت على بعضهم الآخر الشكوى والتأفف من الوراقة، ومن الوراقين القضاة الذين تحسروا على ما فاتهم من أرباح الوراقة، وتبرموا بالقضاء: الفقيه الشافعي أبو عبيد علي بن الحسن بن حرب البغدادي قاضي مصر من أهل المئة الرابعة (32).
ولعل أبا حيان التوحيدي، على ما عرف عنه من علم واسع، وما طبع عليه من فصاحة وبلاغة وما اشتهر به من نقد لاذع- على حق حين ضج من حرفة الوراقة، ودعاها "حرفة الشؤم" فقد وصف حاله مع هذه الحرقة بقوله:
"لقد استولى علي الحرف، وتمكن مني نكد الزمان إلى الحد الذي لا أسترزق- مع صحة نقلي وتقييد خطي وتزويق نسخي وسلامته من التصحيف والتحريف- بمثل ما يسترزق به البليد الذي يمسخ النسخ ويفسخ الأصل والفرع، فقصدت ابن عباد بأمل فسيح وصدر رحيب، فقدم لي رسائله في ثلاثين مجلدة على أن أنسخها له، فقلت: إن نسخ مثلها يأتي على العمر والبصر.. ثم إني قلت لبعض الناس في الدار مستوسلاً: إنما توجهت من العراق إلى هذا الباب وزاحمت منتجعي هذا الربيع لأتخلص من حرفة الشؤم.
ويبدو لنا أن التوحيدي لم يتمكن من التخلص من "حرفة الشؤم" بل زاد الأمر سوءاً أن الصاحب بن عباد أسرف في امتهانه مما حدا به أن يؤلف كتابه "أخلاق الوزيرين" ويقصد بهما ابن عباد وابن أبي داؤود- منتقداً متذمراً شاكياً، وما قاله في الكتاب: "طلع ابن عباد علي يوماً وأنا قاعد في كسر إيوان أكتب شيئاً قد كان كادني به، فلما أبصرته قمت، فصاح بحلق مشقوق: اقعد فالوراقون أخسُّ من أن يقوموا لنا (33).
الحواشي
1- "كشف الظنون" لحاجي خليفة- طبعة الآستانة: 1/147- 148.
2- "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي: 3/38
3- "المنتظم" لابن الجوزي: 6/124.
4- "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي: 14/326.
5- م.س: 6/121- 122.
6- م.س: 12/248.
7-"إرشاد الأريب" لياقوت الحموي: 7/25، 74.
8- م.س: 7/76.
9- م.س: 7/247- 248.
10- "الفهرست" لابن النديم- طبعة مصر:91.
11- "مقدمة ابن خلدون": 334-335.
12- كانت دكان سعد الوراق في الرها مجلس كل أديب يغشاها الطلاب النصارى، ويتردد إليها شعراء الشام وديار مصر أيضاً. ("إرشاد الأريب" لياقوت الحموي 4/278).
13- "الفهرست" لابن النديم- طبعة مصر 199.
14- "إرشاد الأريب" لياقوت الحموي: 6/75.
15- م.س: 6/78.
16- "طبقات الأدباء" لابن الأنباري: 127.
17- "الفهرست" لابن النديم: 10.
18- "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي.10/112-114
19- م.س: 4/264- 65.
20- الأعلاق النفيسة لابن رستة: 216.
وقد اشتهر من الوراقين في القرن الثالث: أبو العباس الأحول محمد بن الحسن بن دينار، وأبو محمد عبد الله بن أبي الجوع، وعلي بن عبد الله أبو القاسم العلوي المعروف بابن الشبيه، ومحمد بن عبد الله الكرماني اللغوي، ومحمد بن أحمد بن عبد الباقي المعروف بابن الخاضبة.
ثم اشتهر القاضي أبو سعيد السيرافي النحوي (ت368هـ- 978م).
21- "ظهور الإسلام" لأحمد أمين: 221- 222.
22- "معجم الأدباء" لياقوت الحموي: 6/56.
23- "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي 11/399.
24- م.س: 4/103.
25- "عيون الأخبار" لابن قتيبة 129.
26- من الوراقين الذين عرفوا بهذه الصفات:
أبو موسى الحامض، ومحمد بن عبد الكرماني، أحمد بن محمد القرشي، وأبو محمد عبيد الله بن أبي الجوع، والسراج الوراق الذائع الصيت وعلي بن أحمد بن أبي دجانة المصري أبو الحسن، والمحسن بن الحسين العبسي المعروف بابن كوجك.
ومن الوراقين الوافدين على الأندلس المعروفين بالضبط وحسن الخط، ظفر البغدادي الذي سكن قرطبة وعباس بن عمر الصقلي ويوسف البلوطي، وأحمد بن محمد بن الحسن الخلال الأديب.
27- "وفيات الأعيان" لابن خلكان: 2/301- 302.
28- "بغية الوعاة" للسيوطي، طبعة عام 1326هـ: 47.
29- "تاريخ بغداد": للخطيب البغدادي 5/194.
30- "شذرات الذهب" 6/11.
31- "تلخيص مجمع الآداب" لابن الغوطي- طبعة الهند 154.
32- "تاريخ الإسلام" للذهبي 118.
33- "إرشاد الأريب" لياقوت الحموي:5/384، 393- 394.