مقالات الباحثون
قدموس وشقيقته أوروبا -الدكتور خليل المقداد

عندما يتبصر المرء في التاريخ القديم والحضارات التي عاشت خلاله ويقرؤه بتمعن وتبصر وبقراءة المتفحص لابد أن ينتقل لقراءة المعتقدات الدينية التي كانت الشغل الشاغل لحياة الشعوب وبحثها عن الوجود والهدف من الحياة والتوصل إلى معرفة الإله الخالق وغيرها من الأفكار التي ولدت المعتقدات القديمة بجميع تفرعاتها لدى كافة الشعوب.
ولم نكن مغالين عندما نذكر أن ولادة هذه المفاهيم انطلقت من سورية بعد أن تبصر بها الإنسان العربي في بلاد الشام لفتراتٍ طويلة ثم أخذت تنضج منذ مطلع الألف الخامس عشر لتفتح عصر جديد عرف بعصر الثورة الزراعية وثورة الرموز، وما تعنيه كلمة الرموز في الواقع : طرح التساؤلات عن حياة الإنسان ومن ثم ترجمتها واقعياً والإجابة عليها بالتمثيل التشخيصي الشكلي المعبر والنابع من الخيال البشري من خلال صنع التماثيل الرمزية التي تعكس عما يجول في نفسه ثم يتوصل إلى الإجابة بالطرق التي عبرت عن مشاعره ورغباته.
والمهم في الأمر أن جميع هذه المنطلقات قادت الإنسان العربي السوري إلى التوسع في التأقلم مع الطبيعة والمحيط الذي كان يعيش فيه بين الداخل والساحل والشمال والجنوب، وما إن حل الألف الرابع حتى توصل إلى معرفة القراءة والكتابة بطرقٍ تدريجية انتهت إلى صقل الكتابة وتطويرها من خلال الأحرف الأبجدية ثم توثيقها في عواصم الممالك السورية في تلك الفترات. وجاءت النقلة النوعية في التوصل إلى الكتابة الأبجدية التي وضحت جميع المفاهيم الفكرية لدى الإنسان وتم توثيق ما يفكر به لتصبح ثقافة العصر الذي يعيش فيه.
والغاية من هذا الموضوع وبعد أن أخذنا نقرأ ونتبصر في التاريخ القديم وبجدية ثم أخذنا نشعر وكأن المحتوى الفكري والإيديولوجي وغيره من معارف الإنسان انطلقت من هذه المنطقة، وليس هذا تكهناً أو افتراضاً ولكنها حقائق تم التوصل إلى معرفتها من خلال الدراسة المنهجية لكامل مجريات الحياة ومنها الموضوع الذي سوف نطرحه في هذا البحث.
فمن المعارف التي أصبحت بديهية أن الكتابة انطلقت إلى العالم عن طريق العرب السوريين وخاصةً الفينيقيين من خلال الأبجدية التي انطلقت من الساحل السوري على الضفة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط في قسمه الشمالي وبالتحديد من مدينة أوغاريت (رأس شمرا) إلى العالم قاطبةً، وبالنتيجة فإن المتعقدات الدينية وغيرها انتشرت مع هذه الأبجدية.
وقد تطورت هذه المعتقدات بشكل يتوافق مع ولادة الحضارة وتطورها ثم أخذت بالانتشار في العالم مع انتشار وتوسع الحضارة العربية بفضل الكنعانيين والفينيقيين، وأخذ هذا الأمر يتعمق ويتألق منذ مطلع الألفية الأولى قبل الميلاد ليشمل كافة المدن والممالك والإمارات.
ولهذا نجد أن الإيمان في هذه المعتقدات وتداولها في المنطقة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط كان يسير بحركة ديناميكية توافقت مع توسع معارف الإنسان حتى شملت بلاد الشام وبلاد النهرين ومن ثم آسيا الصغرى وبلاد النيل ثم توسعت لتشمل جنوب أوروبا وشمال إفريقيا، وفوق هذه البلاد الشاسعة والواسعة والمترامية الأطراف امتدت الحضارة العربية منذ عهود تاريخية موغلة بلغت فيها المظاهر الحضارية أشكالاً متنوعة.
 ومن هذه المظاهر والمعتقدات التي تعكس في الحقيقة المستوى الحضاري والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والذوق الفني قصة قدموس وشقيقته أوروبا التي مثلت فوق اللوحات الفسيفسائية. ولهذا نجد أن هذه الظاهرة تعكس في الحقيقة التعاقب التاريخي الذي مرَّ على هذه البلاد ليؤكد هويتها الحضارية بمصداقية ملموسة منذ بداية الألف الأول ق. م وبما واكبها وتعاقب عليها من سلطات وممالك وإمارات وإمبراطوريات طورت هذه المفاهيم وفنونها.
 يضاف لذلك أيضاً المظاهر المدنية للمدن الكبرى والصغرى التي نشأت فوق هذه الأراضي، والتي تبين العلاقات المختلفة التي كانت تدور بين بعضها بعضاً من جهة، وكذلك علاقاتها المختلفة مع مدن العالم ومستوى النهضة الاقتصادية والتي ولدت حب التوسع في بقاع العالم وبناء المدن والمستوطنات التي أصبحت لاحقاً أمهات المدن وعرائس البحر الأبيض المتوسط. ونحصر الأمر في بعضٍ منها مثل مدن : ديلوس – روما – طروادة – قرطاج...الخ.
ونضرب مثالاً واحداً على ذلك فقط، ففي نهاية الألف الثاني قبل الميلاد ذهب قسم من سكان الساحل السوري وأغلبهم من سكان جزيرة أرواد ومدينة عمريت ومحيطها إلى جزيرة ديلوس، وهي من الجزر الهامة من بين جزر البليونيز اليونانية، وموقعاً من أجمل المواقع المهيأة للاستقرار الطبيعي، وأسَّسوا في هذه الجزيرة مستوطنة كباقي المستوطنات العربية في حوض البحر الأبيض المتوسط وعلى رأسها جزيرة صقلية جنوب إيطاليا.
وقبل قدوم العرب إليها كانت عبارة عن جزيرة تتميز بالمظهر القاسي والأرض الوعرة الجرداء وكثيرة الحصى والصخور، وكذلك افتقارها إلى المياه، لذلك فما إن وضع هؤلاء أقدامهم فيها حتى حولوها إلى عالمٍ آخر، فقد أصبحت مركزاً للإشعاع العلمي والديني والثقافي سيما أن هؤلاء كانوا من ذوي الثقافة العالية في جميع العلوم، لذلك أسسوا فيها مركزاً ثقافياً لجميع بلاد اليونان إضافةً إلى مركزها الديني والتجاري العالمي.
وبسبب الحاجة إلى المياه فقد قام المستوطنون الجدد بحفر بئر مركزي وزرعوا حوله أشجار النخيل ومن ثم بناء معبدين سُميا في فترةٍ لاحقة باسم معبد أبوللو ومعبد أرتميس، وقد أصبحت هذه المراكز الدينية والثقافية والعلمية والتجارية من المرتكزات الهامة لازدهار الجزيرة ومن ثم الجزر المحيطة بها، وفي القرن السادس دخلت في العالم الإغريقي وتحت هيمنة مدينة أثينا.
إلا أن المدينة بقيت مركزاً دينياً رئيساً يرتاده جميع معتنقي الديانة، كما تحولت لتصبح مركز إشعاع للحضارة الأيونية يجتمع فيها كل عام وخاصةً في بداية فصل الربيع جميع معتنقي الديانات الوثنية وخاصةً تقديس الإله أبوللو لتقديم الأضاحي وممارسة الألعاب الرياضية وإعلان الأفراح، وهي نفس العادات والتقاليد المتبعة في سورية في هذه المناسبات.
وقد أصبحت المدينة مركزاً عالمياً لتبادل المنتجات، وكذلك مركزاً للاستيراد والتصدير حيث تستقبل منتجات الحبوب من سورية ومصر وخاصةً القمح المصري والقرطاجي وكذلك الزيت والزيتون من سورية ونقل زراعة الزيتون إلى بلاد اليونان، وكذلك استيراد النخيل ومنتجاته من إفريقيا، والجلود من المناطق المحيطة في البحر الأسود، كما أصبحت مركزاً لتجارة العبيد.
وكان للفينيقيين الحق في الهيمنة الاقتصادية بعد الانطلاقة الهائلة في امتلاك الثروات الخارقة في مطلع الألف الأول قبل الميلاد وخاصة بعد أن توسعت مستوطناتهم في القارات الثلاث المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط وبناء المستوطنات والعواصم الكبرى في شمال إفريقيا وجنوب أوروبا وبلاد الغال وشبه جزيرة أيبيريا. إضافةً إلى ذلك فقد كان للفينيقيين وتجارهم العديد من الوكالات والموانئ والمستوطنات في إسبانيا والبرتغال والجزر في داخل البحر الأبيض المتوسط مثل سردينيا ومالطة وصقلية وقبرص وغيرها.
وقد انعكست النهضة الاقتصادية بكافة مواردها بالغنى والفوائد على تلك المدن التي تنامت بشكلٍ مضطرد عمرانياً وتنظيمياً وبشرياً لتصبح مدناً برية وبحرية قوية تمتلك الأساطيل الجبارة لتجوب بحار العالم، ولهذا أخذت المبادرات في التقارب مع الشعب العربي في سورية وخارجها يتزايد بشكلٍ منطقي يتوافق مع الحاجة التجارية العالمية والمبادلات الاقتصادية الهامة ولها مكانتها العالمية المرموقة ومن ثم ولدت التأثر بالمعتقدات الدينية والدنيوية.
ومن الطبيعي أن هذا الازدهار لم يتم الحصول عليه بسهولة، وإنما ببذل الجهد والمعانات سواءً بالطرق العسكرية أو الغزوات وخاصةً الغزوات التي كانت تتم بين المدن الفينيقية مثل مدينة قرطاج والإغريق في جزيرة صقلية، أو الهيمنة الاقتصادية والسياسية والتجارية أو أساليب التفاهم مع المجتمعات الأخرى وإيصالها إلى نفس المستوى الذي توصل إليه الفينيقيون لأنه كان من الصعب التعامل مع شعوبٍ أخرى وتركها تغرق في عوالم الجهل.
 ونضرب هنا بعض الأمثلة على ذلك ومنها العلاقات التي كانت تتم بين الفينيقيين والإغريق. ففي بداية الأمر وقبل الألف الأول للميلاد حلت قبائل الإغريق في مناطق آسيا الصغرى قادمةً من أواسط آسيا ومنهم الدوريّون – الكورنثيّون – الإيونيّون – التوسكانيّون... الخ، وقد استقر قسم من هؤلاء في منطقة أسيا الصغرى، والقسم الأخر اتجه إلى بلاد البلقان وتراقيا ومكدونيا وبلاد اليونان، أو بمعنى أشمل القسم الجنوبي الشرقي من قارة أوروبا.
ومن هذه المنطلقات التأسيسية انتقلت ظاهرة بناء القرى والمدن، وكان للعرب دورٌ فاعل في هذا المجال نظراً للخبرة المكتسبة والمطبقة في كامل بلاد الشام منذ آلاف السنين وكان نموذجٌ منها كما ذكرنا قبل قليل المدينة العريقة في جزيرة ديلوس ثم تعددت المدن لتشمل طروادة وقرطاج وروما وهيبون (عنابة) ومدن جزيرة صقلية وجزيرة كريت وغيرها الكثير الكثير.
وحول بناء بعض هذه المدن نذكر ما ورد من قصص تناقلتها الأجيال عبر التاريخ وجاءتنا من خلال ما تواتر من أحاديث ومعتقدات ميثولوجية ثم تأكد ذلك في العصر الحديث بعد تطور علم الآثار وتزايد المكتشفات الأثرية وعلى وضوء الحفريات الأثرية العلمية والمنهجية.
فلو أخذنا قصة قدموس وشقيقته أوروبا لوجدنا أن ظهورها لم يقتصر على اللوحات الفسيفسائية والتي سوف نتكلم عنها بعد قليل وإنما تم رسمها فوق المسكوكات النقدية الفينيقية بقرونٍ سابقة والتي ارتكزت في مفاهيمها على البواعث الميثولوجية القديمة التي تنتمي إلى البانتيون الإغريقي أو الروماني أو العربي وبمحاولات ناجحة مثل إظهار شخصية أوروبا والقدموس Cadmos2 وركوب البحر فوق مسكوكات مدن الساحل السوري وعلى الأخص مدينة صيدا بالتحديد.
وزاد في الأمر أيضاً إشهار أشكال بعض شخصيات الآلهة العربية مثل الإله بعل مع قرنائه مارد البحر هيبوكامب hippocampe 3 وأورثوزي orthosie وهم يطيرون أو يمتطون حيوانات العنقاء التي تظهر على أشكال حيوانات خرافية بنصف نسر ونصف أسد، أو شكل بعل الحامي بانيبال phanébal، حامي مدينة عسقلان والذي كان يظهر فوق المسكوكات النقدية وهو يرتدي كامل لباسه الحربي.
ثم تطور الأمر في إبراز خصوصيات عربية ورموز ومظاهرها وما ينتمي إليها ويرتبط معها مثل الحصان والنخيل وزهر اللوتس والنجمة ذات الست أو الثماني أوراق أو الأشعة أو الأشكال القرصية، وكذلك سنابل القمح وهذه الرموز ظهرت من خلال النقد الفضي الذي يعرض رأس الإلهة الفينيقية تانيت Tanit 4 (شكل رقم 3) وكذلك الصولجان أو الشارة الطبية 5. وكذلك الدسك – الشمس تحضنه هالتان معقوفتان... الخ.
كما أن معظم المستوطنات التي أسست في حوض البحر الأبيض المتوسط على البر وداخل البحر أسست وبنيت بأيدٍ عربية وسكنها العرب الذين كان أحدثهم الكنعانيين والفينيقيين مثل مدن جزيرة صقلية وكريت التي أصبحت من أهم المراكز العمرانية والتجارية في بلاد اليونان وإيطاليا ومن أجمل الجزر في البحر الأبيض المتوسط، كما أصبحت مراكز إشعاع للثقافة والحضارة الإغريقي والرومانية كما أسس قدموس وأخته أوروبا العديد من المستوطنات العربية في شمال إفريقيا وعلى رأسها مدينة قرطاج.
 حتى أن مدينة روما نفسها أسست من قبل العرب الفينيقيين 6، وبنيت المعابد على شرف الآلهة العربية النبطية عند مصب نهر التيبر، وبالنتيجة أليس من الإنصاف أن نطلق على هذه الملاحم التاريخية والتي تعرف باسم الملاحم اليونانية والرومانية تسميات الملاحم العربية.
بالطبع لا نريد أن نخوض كثيراً في هذا المجال الذي يستحق دراسة تاريخية صادقة ومعمقة بعيدةً عن التعصب الجغرافي أو القومي أو الديني أو العرقي وغيره، وإنما إنصاف شعبنا وبلادنا ونضع الأمور في نصابها الصحيح، وعندما نحصل على النتيجة نجد أن هذا التراث الحضاري الأصيل هو تاريخ ونتاج هذه الأمة وليس غيرها كما يقدمه البعض إلى الشعوب والأمم الأخرى في الوقت الذي أخذ فيه الباحثون والمنصفون من هؤلاء إعادة النصاب إلى مساره الصحيح اعتماداً على المعطيات العلمية التي عكست ما كان يقوله أجدادهم من أوهامٍ ضللت مسار التاريخ والحضارة، كما ضللت أنصاف المثقفين من أبناء أمتنا الذين يرددون المفاهيم دون تبصر.
ونورد مثالاً على مجمل ما تكلمنا عنه سابقاً من خلال لوحتي فسيفساء، الأولى من مدينة صرين القريبة من الساحل السوري والثانية من مدينة جميلة من مدن الجزائر الداخلية.
لوحة فسيفساء أوروبا واختطافها من قبل كبير الآلهة زيوس إلى جزيرة كريت :7
هذه اللوحة الفسيفسائية جزء بسيط ومعبر من الكم الهائل من اللوحات الفسيفسائية المكتشفة في سورية وخاصةً القسم الشمالي الغربي والتي كانت تنتمي إلى مدرسة أنطاكيا عاصمة بلاد الشام في العهد الهلنستي، كما أنها تشكل جزءاً من الآلاف المؤلفة من اللوحات الفسيفسائية التي تشكل رصيداً هائلاً للتراث العربي عبر العالم.
وقد تم الكشف عنها في مدينة صرين القريبة من الساحل السوري بمسافة لا تزيد عن الثلاثين كيلومتراً تقريباً عن كل من مديني أنطاكيا واللاذقية، كما أن هذه اللوحة تتقارب مع اللوحات الفسيفسائية المكتشفة في مدينة أفاميا القريبة من نهر العاصي، وبذلك تشكل مع كل من مدن أنطاكيا وأفاميا جزءاً من تراث حوض العاصي الشهير في مثل هذه الروائع الفنية.
ولو حاولنا استقراء اللوحة من ناحية العرض لوجدناها تظهر صورة الإلهة أوروبا المسكينة البائسة ذات العواطف الجياشة التي قتلت بسبب حبها إلى الإله زيوس وهي تنحني برأسها نحو كتفها الأيمن مستغرقة بتفكيرٍ وتأمل مستعرضةً الماضي الذي امتزج فيه الحب والهيام مع المصير الذي وصلت إليه ومقارنته مع المستقبل المجهول بعد اختطافها.
ومع ذلك فلم تذهب هذه التضحية بدون ثمن، فمن جهةٍ انتقمت إليها الآلهة بتأنيب كبيرها على المصير الذي حل بمحبوبته بسبب عشقها له لذلك انتقمت منه وحولته إلى ثورٍ أبيض, ومن جهةٍ أخرى فقد انتقم هو نفسه من نفسه ولم يتخلَّ عنها كما أنه لم يرضَ بهذا الواقع لذلك قام بخطف أوروبا على ظهره بمساعدة الملائكة العشاق أيروس المجنحين ونقلها إلى جزيرة كريت وتزوجها زواجاً أبدياً أثمر بإنجاب ولدهم مينوس وبعدها لقبت الإلهة أوروبا بأم مينوس Minos 8 وبعدها أطلق اسمها على كامل القارة الأوروبية.
كما ظهرت الإلهة أوروبا في اللوحة وهي تمتطي على ظهر الثور بشكل جانبي كتعبيرٍ عن الاطمئنان وعدم الخوف حيث تتدلى أرجلها إلى الجهة اليمنى من ظهره وهي ترتدي رداء جميلاً ومزركشاً ومتعدد الألوان كسا كامل جسمها، كما بدت له أكمام طويلة ظهر أحدها وهو يسترسل من الذراع الأيسر الذي اتكأت به على غارب الثور فوق الرقبة. بينما ظهر الذراع الأيمن والقسم العلوي من الذراع الأيسر بالإضافة للأقدام التي ظهرت عارية.
وجميع هذه المظاهر التي صورت في العرض الفسيفسائي تبيِّن وكأن المخطوفة في حفل وموكب زفاف وهي تمتطي على ظهر عشيقها الذي بدا وهو مفعم بالحيوية والنشاط والسعادة بعد أن استطاع بلوغ غايته والإسراع في القفز والجري السريع قبل الوقوع في المفاجآت ونقلها إلى بيت الزوجية الجميل المتواضع والذي ينتظرهم ببوابته الكبيرة والمفتوحة. (صورة رقم 1 )
كما ظهر رأس أوروبا مكشوفاً ومكسواً بشعر كثيف فرشته على أكتافها من ضمن التزيين الذي تقوم به العروس قبل زفافها، إلا أن وجهها بدا عليه الحزن مع نظرات كلها تحليق وتأمل في مستقبلها الغامض بعد هذا الاختطاف، ولكن أحاط بها فوق رأسها رداءُ متطايرٌ في الهواء على شكل هالة مربوطاً فوق بطنها بعقدة رباعية وكأنه يكاد أن يرفعها إلى الفضاء العلوي.
وهنا نجد ملائكة الحب والعشق المجنحين (البوتي) يطيرون فرحاً ويراقبون الموقف بحذرٍ شديد محفزين على الإسراع في الوصول، أو التأهب إلى اتخاذ أي تصرفٍ آخر في حال وقوع أي مفاجئة، ولهذا كانت حراستهم للموكب تنمُّ عن حبهم وطاعتهم لكلا العريسين.
وقد رافق هؤلاء العشاق الموكب بكل التصاق، حيث ظهر أحدهم عارياً ومزوداً بجناحين فوق الكتفين مع وشاح متطاير فوق العنق، بينما أخذ يقود الثور بيده اليمنى بمقود ربط بأنف الثور في المقدمة، بينما ظهر الثاني في المؤخرة وهو أيضاً بشكل عارٍ ومجنح ومزود بجناحين فوق الأكتاف وهو يمسك بكلتا يديه بذيل الثور المجنح في الهواء مع العاشق الأول أيضاً، وكأن كلاهما يتطايرا في الهواء بسبب سرعة جريان الثور.
بينما نشاهد الثور الذي ظهر بشكل ضخم وجسم قوي وممتلئ وكله فحولة ونشاط ورأسٌ كبير وقرون قوية وثخينة تستدير من الأعلى لتشكل تاجاً على الرأس، وظهرت أقدام الثور مترامية من الأمام والخلف كأنها تدل على أن الثور في حالة الجري السريع.
وجاء المشهد فوق أرضية خالية من الزينة رصفت بمكعبات صغيرة الحجم حسب الأسلوب الحرشفي، كما صور في القسم العلوي من اللوحة المنزل الريفي الجميل ليكون عش الحياة الزوجية الهادئ بحيث ظهرت جماليته من خلال تعدد النوافذ والمدخل وسطحه القرميدي والهرمي، وجاءت ألوانه زاهية كما هي ألوان المشهد ككل. بحيث انسجم تنفيذ وتلوين المنزل مع مشهد أوروبا والثور والعشاق المجنحين.
واكتملت الروعة التعبيرية في جمالية المنظر التعبيري الذي ظهر من خلال التوفيق بين مظهر الحصان الأبيض والذي هو في النتيجة طموح كل فتاةٍ للركوب فوقه أثناء زفافها، أو خطفها من قبل عريسها واصطحابها فوق الحصان الأبيض، وكذلك التعبير عن فحولة الثور وقوته الجسمية والجنسية في الإخصاب.
ونلاحظ أن هذا المشهد في اختطاف أوروبا إلى جزيرة كريت توافق مع مشهد لوحة مدينة جميلة في الجزائر مع بعض الفوارق الجوهرية في المحيطات التي ترافقت مع عرض كل من اللوحتين حيث ظهر المشهد المحيطي في مدينة جميلة كمشهد داخل البحر، وكأن الصورة نقلت من داخل البحر الأبيض المتوسط أثناء الاختطاف.9 (صورة رقم 2 )
وتقع مدينة جميلة اليوم والتي كانت تعرف سابقاً بالاسم المحلي كويكول Cuiculعلى أحد السهول العالية في جبال القبائل الصغرى على بعد 80 كم إلى الغرب من مدينة قسنطينة في وسط منطقة جبلية جميلة تشبه منطقة جبل حوران جنوب سورية، وتعتبر هذه المدينة من المدن الهامة والرائعة من مدن التراث في شمال إفريقية.
فقد بنيت منذ فترات زمنية طويلة إلا أنها أكملت زينتها ومخططها التنظيمي والعمراني في زمن الإمبراطور العربي سبتيموس سيفيروس حيث توسط المدينة السوق العامة (الفوروم) الذي كانت تدور في وسطه الحياة الاجتماعية بكافة مظاهرها، وكذلك الحياة السياسية والدينية كونه يتوسط شبكة من الشوارع المعمدة والمزينة بالأعمدة والأروقة.
ويحيط في السوق العامة دار العدالة البازيليك والمجلس البلدي والمعبد الرئيس (البنانتيوم) الذي كان يضم كبار الآلهة الحامية للمدينة مثل زيوس ومينرفا وجينو. كما أحاط بالساحة المباني الحكومية الفخمة والتي زينت أرضياتها بالفسيفساء مثل منزل الإله دوساريس (باخوس).
كما زينت الشوارع بأقواس النصر عند المصلبات (التترابيل) مثل قوس سبتيموس سيفيروس وقوس كراكلا، إضافةً إلى بناء الحمامات العامة ومعبد ربة الينبوع (نمفيوم) والمسرح المستند على سفح التل والذي يستوعب حوالي خمسة آلاف متفرج، وجميع هذه الأبنية بما فيها المدينة كانت مسورة بسور دفاعي ضخم مزود بأبراج دفاعية ومداخل جميلة وفخمة.
وفوق أرضية أحد هذه القصور الجميلة داخل المدينة فرشت هذه اللوحة الفسيفسائية الفخمة والتي تبين مشهد اختطاف الإلهة أوروبا من قبل كبير الآلهة زيوس الذي تمثل بصورة الثور الأبيض، إلا أنه جاء هنا على شكل فرس البحر، ومثل المشهد في عالم بحري تحيط بموكب الزفاف أعداد هائلة من أنواع الأسماك والحيتان وخاصةً سمك الدلفين.
وجاءت لوحة فسيفساء مدينة جميلة بمظهر متشابه تقريباً مع لوحة صرين في الإطار العام للحدث، إلا أن لوحة هنا أظهرت الألفة بين العروس المخطوفة وبين الثور رمز العريس الذي كانت تقدم له الطعام بيدها اليمنى أثناء الزفاف، بينما تتمسك بيدها اليسرى في قرنه الأيمن. وظهرت أيضاً وهي عارية الجسد باستثناء الفخذ الأيمن وهي مجملة بطوق وميدالية تتدلى من الطوق، بينما يحمل أحد آلهة العشق ايروس الخلفي طوقاً آخر لتقديمه لأوروبا، بينما العاشق الأمامي فيحمل في يده إناء طعام آخر لتقديمه إلى الثور.
وبذلك نجد هنا في هذا العرض ثمة فوارق وخلافات كبيرة بين اللوحتين، ففي لوحة جميلة نجد اللوحة التشخيصية وضعت داخل عدد من الأطر المحيطية، الأول والداخلي والأصغر فقد زين ببواعث نباتية وخاصة أزهار وأوراق زهر الزنبق، بينما الخارجي والأوسع فقد زين بزينة ذات بواعث نباتية وهندسية تتخللها تشكيلات زهرية.
أما المحيط العام الذي يحيط في مشهد أوروبا فهو مشهد بحري غني بأنواع الأسماك المتعددة في الصنف والحجم، فنجد سمك الدلفين والتونة التي ظهر منها خاصة الأسماك ذات الحجم الكبير حيث ظهرت وهي تلتهم الأسماك ذات الحجم الصغير، بينما نجد أن بعض أسماك الدلفين انتهت ذيولها بأشكال زهرية.


هوامش
1 - أوروبا Europe شقيقة قدموس في الميثولوجيا القديمة عربيةً أم إغريقية أم رومانية هي القتيلة ضحية حبها للإله بعل شامين كبير الآلهة عند العرب وزيوس كبير الآلهة عند الإغريق وجوبيتير كبير الآلهة عند الرومان أيضاً، ولهذا فقد مسخ هذا الإله نفسه نتيجة هذا الأمر وتحول إلى ثور أبيض، ثم قام بدوره في اختطافها بمساعدة ملائكة الحب الصغار الآلهة المجنحين أيروس واصطحابها إلى جزيرة كريت حيث أصبحت هناك أم للإله مينوس.
2 - قدموس Cadmos حسب المفهوم الفينيقي هو مؤسس معسكر مدينة طيبة Thebesفي منطقة بيوتي Beotie في بلاد اليونان وهذه المدينة وقفت مع الفرس ضد حلف المدن الإغريقية في القرن الخامس ق. م، كما بني له مدينة فوق الجبال الساحلية السورية في المنطقة التي تقع في منتصف المسافة بين مدينة بانياس الساحلية ومدينة مصياف الداخلية، أي في المنطقة الفينيقية على الساحل السوري.
3- هيبوكامب hippocampeويعرف في الميثولوجيا الإغريقية باسم حصان أو مارد البحر، وهو حيوان أسطوري نصفه كالجواد ونصفه الآخر كالسمكة.
4 - تانيت Tanit وهي شخصية هامة من بين شخصيات الآلهة المركزية في مدينة قرطاج، وتعتبر إلهة الخصب والخضرة والزراعة.
5 - صولجان تلف عليه حيتان في أعلاهما جناحان.
6 - يمكن استخلاص قصة بناء مدينة روما من خلال ما ذكر في العديد من المصادر القديمة وما جاء في قصص المعتقدات القديمة (الميثولوجيا) حيث يعود الأصل في ذلك إلى بداية العهد الفينيقي عندما هاجر أمير فينيقي يدعى إينة أوعينة Enee من الساحل السوري إلى منطقة ليديا في الجانب الغربي من آسيا الصغرى ثم استقر في مدينة طروادة.
 وأصبح هذا الأمير البطل الحقيقي في ملحمة فيرجيليوس، ثم ذهب إلى أقربائه في مدينة قرطاج بعد حريق مدينة طروادة، وهناك عشق الأميرة السورية الفينيقية إيليساElissa من مدينة صور التي أسست مدينة قرطاج في القرن التاسع ق. م، ولظروفٍ غامضة أجبر على الهرب إلى إيطاليا وأسس هناك العديد من المدن ومنها مدينة لافينيوم Lavinium.
وحسب ماجاء في الملحمة الشعرية الإينيد Eneide للشاعر اللاتيني بوبيليوس فيرجيليوس مارو publius virgilius maro (70-19 ق. م) صديق أوكتاف أن إينيه /عينة Enee الهارب أحب ديدون/إيليسا وتزوجها، إلا أنه أجبر على هجرها بناءً على أوامر الإله زيوس/جوبيتير ولهذا قتلته. ويذكر في المعتقدات الدينية الرومانية أيضاً أن روميليوس/رومولوسRomulus مؤسس مدينة روما من أحفاده هو وزوجته الفينيقية إيليسا من مدينة قرطاج.
كما جاء في الميثولوجيا الرومانية أن رومو وروملوسRomu et Romulus الطفلان اليتيمان اللذان أرضعتهما الذئبة عندما أصبحا في طور الفتوة والشباب قام رومولوس بمساعدة أخيه رومو في تأسيس مدينة روما في عام 753 ق. م، ثم أصبح أول ملك على المدينة، وقد تم تقديسه من قبل سكان المدينة لدرجة التأليه، ولهذا أصبح في نظر الرومان الإله الحامي لمدينة روما.
7 - خليل المقداد – الفسيفساء السورية والمعتقدات الدينية القديمة (الميثولوجيا) دراسة مقارنة – منشورات وزارة الثقافة – سورية – دمشق 2008 – ص 188 -190 واللوحات الموضوع السادس عشر صورة رقم 1 – 2.
8 - Minos مينوس هو ملك أسطوري من جزيرة كريت، وقد اشتهر بعدالته ورجاحة عقله. وقد أصبح بعد موت القاضي في الجحيم مع كل من ?aque) وRhadamathe) وقد رأى المؤرخون في مينوس أنه حصل على لقب ملكي من سلالة العظماء في كريت على اعتبار أنه أصبح أب أريان، ومن هنا جاء تعبير الحضارة المنيوية في التاريخ اليوناني.
9 -   FEVRIER، Paul - Albbert، DJEMILA. ALGER 1991.
وقد زينت اللوحة إحدى صالات حمامات المدينة في القسم الشرقي منها، انظر اللوحة في المصدر ص 48، رقم 25.

 

جميع الحقوق محفوظة ل موقع الباحثون 2014